الأربعاء، 10 يوليو 2013

سلاحف النينجا المتحولون


لا أظن أنه يوجد من جيلي من لم يسمع عن تلك السلاحف الخضراء المتحولة ويعرف عنها شيئا أو شيئين.. فشهرتها تخطت حدود أمريكا - مكان نشأتها - وغزت العالم في فترة التسعينيات.

وهذا في حد ذاته يمثل ظاهرة تستحق الدراسة، علنا نستفيد منها في مسألة "تسويق الأفكار" العربية لتغزو - بدورها - الثقافات الأخرى، الغربية والشرقية.. فنحن - كما لا يخفى عليك - متخلفون للغاية في هذا المجال، ونكتفي منذ أيام الاحتلال الغربي لبلادنا بتلقي ثقافة "الآخر" واستهلاكها دون أن ننجح في تصدير شيء من ثقافتنا.. اللهم إلا أشياء مثل (الرقص الشرقي) والفلافل Falafel !!

كيف نجح اثنان (مؤلف ورسام) في تسويق فكرتهما البسيطة الساذجة عن أربعة من السلاحف المتحولين، حتى "طبقت شهرتها الآفاق" كما يقال؟!..
البداية كانت بتعاونهما على خلق الفكرة وتنفيذ "اسكتش" أولي لها.. ثم قاما بنشر أول قصة مصورة (كوميكس Comic) تحمل بين صفحاتها نتاج هذا التعاون.
صفحات قليلة مرسومة بالأبيض والأسود - لأن القصص الملونة مكلفة - ظهرت فجأة دون دعاية تذكر، ولاقت قبولا من الشباب والقراء.
فكرة جديدة مكتوبة بإتقان ومرسومة بخطوط فنية تحمل طابعا خاصا يختلف عن المعروض في الأسواق وقتها.
كان السرد في القصة المصورة أكثر جدية عما رأيناه فيما بعد في الحلقات التليفزيونية الشهيرة. شخصيات السلاحف الأربعة كان لها نفس الزي ونفس لون رباط الرأس (الباندانا الحمراء)، لكن في المسلسل الكرتوني تم التمييز بين الشخصيات ليسهل على الأطفال المشاهدين التعرف عليها.
ومن هنا نتعلم أسلوب تكييف المنتج وتحويره ليناسب الجمهور الذي سيتلقاه.

مع نجاح أولى حلقات المسلسل تحول السلاحف إلى "صرعة" وهوس. وجدنا صورتهم بأسلحتهم المميزة على كل شيء تقريبا.. علب طعام الأطفال.. الملابس و"فوط" الوجه.. كراسات المدرسة والملصقات إلخ.
عن نفسي أتذكر جلوسي أمام التليفزيون أتابع الحلقات مبهورا بالحوار المدبلج بالعربية، وبالأداء الصوتي الكوميدي للشخصيات.
إلى الآن أتذكر شخصية (كرعون) الشرير وهو يأمر (فرّام) بصوت "رغوي" ويقول له: "فرررام.. دمّر السلاحف!"
وأظن أن الدبلجة المتقنة كانت تتم في استوديوهات سوريا أو لبنان ثم يشتريها التليفزيون المصري لعرضها.

النجاح المادي لظاهرة مثل ظاهرة سلاحف النينجا يعتمد في الغرب على "الترخيص Licensing" أي قصر حقوق الملكية الفكرية على شركة واحدة، بحيث يكون لها نصيب من أرباح بيع أي شيء عليه صورة السلاحف أو اسمهم. وبهذا تنتعش صناعة الترفيه ويكون للمؤلف الأصلي دخل مستمر يشجعه على إبداع المزيد.

في طفولتي كان عندي أكثر من "منتج" يخص سلاحف النينجا، مع أني لم أكن من ذلك النوع من الأطفال اللحوحين أو المتعلقين أكثر من اللازم بالمنتجات الترفيهية ولعب الأطفال.
كان عندي ملصق عليه صورة لشخصيات السلاحف يمكن فصلها ووضعها على الحائط أو أغلفة الكراسات، وإلى اليوم أتذكر خلفيته الفضية اللامعة..
كان عندي لعبة مجسمة لشخصية دوناتيللو، ربما أكون حصلت عليها كهدية على إحدى الوجبات السريعة من أحد المطاعم الشهيرة.
وأذكر أيضا أن أبي اشترى لي مرة شريط فيديو عليه حلقتان من المسلسل الكرتوني.. لكن سعر الفيديو المرتفع مقارنة بقصر الحلقتين جعلني - فيما بعد - أرفض شراء أي شيء مماثل لأني وقتها اعتبرت المسألة إسرافا و"تدليلا" زائدا عن الحد!..
لكنهم على الأقل نجحوا في إقناع الزبون - أبي - أن يدفع أكثر من عشرين جنيها مقابل ما لا يزيد عن أربعين دقيقة من الفيديو.. وهو نجاح تسويقي بلا شك.

وبالإضافة لكل ما سبق أذكر  أيضا أنه كان عندي كتاب "تلوين" يسرد قصة مصورة لإحدى مغامرات السلاحف.. وكنت لا أمل من التطلع لصفحاته ومحاولة تقليد الرسم (وبالذات شخصية الفأر رشدان).. وإلى الآن أشعر بسعادة كلما تذكرت هذا الكتاب، وخاصة إحدى صوره التي يظهر فيها السلاحف مرتدين معاطف صفراء وقبعات لتخفي شخصياتهم أثناء خروجهم للشوارع العامة بعيدا عن مكان تخفيهم المعتاد.. أنفاق صرف مدينة نيويورك!

وطبعا لا أنسى الساعات الطويلة التي قضيتها في بيت ابن خالتي نلعب (فيديو جيم) سلاحف النينجا، ونحاول عبور المراحل الصعبة الواحدة بعد الأخرى.
(فيما بعد قمت باستعادة هذه الذكريات الجميلة عندما اكتشفت طريقة لتشغيل ألعاب أجهزة الفيديو جيم القديمة على الكمبيوتر، باستخدام "المحاكيات" Emulators)

لكن هذا ليس كل شيء.. فالسلاحف لم تكد تترك مجالا إلا ووصلت إليه. فهناك بالطبع فيلم السلاحف بأجزائه الثلاثة والذي نال شهرة كبيرة بين الأطفال في التسعينيات.. وهناك القصص المصورة الملونة التي تمت ترجمتها للعربية ونشرها بين أطفال جيلي.
فعندي ذكرى مبهمة لموقف كان له أثر كبير فيما بعد على نفسي. كنت أسير صامتا كعادتي مع أهلي وأنا في العاشرة من العمر تقريبا، وكان الطريق مظلما وهم يتحدثون فيما بينهم غير عابئين بي كثيرا.. لكن فجأة جذب انتباهي بائع للصحف والمجلات كان يعرض قصصا مصورة، وعلى غلاف إحداها صورة السلاحف المميزة!
عقلي الصغير المحب للقصص والقراءة سال لعابه!!.. فكرة أن  السلاحف لهم سلسلة مكتوبة ومصورة بالإضافة لوجودهم المعتاد على شاشة التليفزيون كانت فكرة جديدة عليّ تماما.
كان سعر العدد حوالي 1.5 جنيه، وعدت به للمنزل لألتهمه على مهل في تلذذ!.. وربما كان هذا بداية اهتمامي بفن القصص المصورة بشكل عام.
ومع أني لم أشتر في حياتي إلا عددا ضئيلا للغاية من الكوميكس الورقية، إلا أني قرأت المئات منها على شاشة الكمبيوتر عن طريق التحميل "غير الشرعي" للتوررنت Torrent، وإن كان أغلبها لا صلة له بسلاحف النينجا أو قصص الأطفال. 
-----
ويمكن للمتعمق في دراسة "حدوتة" السلاحف وحبكتها الأساسية وفكرتها وشخصياتها أن يلاحظ أن المؤلف قام - ببراعة شديدة - باقتباس الكثير من سلسلة أخرى شهيرة وهي (حرب النجوم Star Wars) !!.. فهناك الكثير من التشابهات في الأدوار والتصاميم بين السلسلتين.
مثلا، شخصية (شريدر\فرام) تشبهه شخصية (دارث فيدر Darth Vader).. حتى أن الفيلم السينمائي الأولي جعل إحدى الجمل الحوارية التي يقولها شريدر هي نفسها جملة دارث فيدر الشهيرة، "I'm Your Father"
وشخصية القزم العجيب الحكيم (سبلينتر\رشدان) تشبه شخصية (يودا Yoda)
والعلاقة بين شخصية (كيسي جونز) و(أبريل أونيل) تشبه العلاقة بين شخصية (هان سولو) و(الأميرة ليا)

وهذا يثبت أن الأفكار التي أثبتت نجاحها في السابق يمكن "إعادة تدويرها" في شكل جديد.
-----
بعض المعلومات عن السلاحف منذ بدايتها

الاسم: Teenage Mutant Ninja Turtles وترجمته (فتيان سلاحف النينجا المتحولون)
المبتكران الأصليان للفكرة والتصميم: Kevin Eastman & Peter Laird سنة 1984
المسلسل الكرتوني بدأ سنة 1987
سلسلة الأفلام السينمائية بدأت سنة 1990
الشخصيات الأساسية:
المعلم رشدان Master Splinter
ليوناردو - لونه المميز الأزرق - سلاحه المفضل سيف الكاتانا الياباني
دوناتيللو - لونه البنفسجي - سلاحه العصا
مايكل أنجلو - برتقالي - الننشاكو
رافاييل - الأحمر - شوكة الساي
فرّام Shredder
-----
ولك أن تعرف أن ما تم إنتاجه تحت مظلة (سلاحف النينجا) حتى الآن يقدر بملايين الدولارات. فهناك مئات القصص المصورة على مر السنين، ومئات حلقات التليفزيون، بل ويتم الآن التحضير للفيلم السينمائي الخامس.

كيف نجحت الآلة الإعلامية الغربية في أن تأسر طفلا صغيرا وتوقعه في حبالها بهذا الشكل بحيث يظل متعلقا بتلك الشخصيات الوهمية التي اخترعوها؟!
لا مفر من دراسة هذا النجاح وأسبابه لنقلدها أو نطورها لتخدم أغراضنا نحن، ولننجح أيضا في تسويق أفكارنا ومنتجاتنا الفكرية.
الحرب الحالية هي حرب أفكار.. سلاحها الإعلام والكلمة والصورة. ومنذ أيام شاهدت - وشاهد معي ملايين المصريين - كيف تمت صناعة أوهام وتلفيقها بعناية ودقة بحيث كانت نتيجتها هي سقوط نظام سياسي كامل!!
فصانعو أسطورة السلاحف كان غرضهم المال وتسويق منتجهم للعالم وإقناع الأطفال أن سلاحف النينجا أبطال حقيقيون يستحقون الانبهار بهم، لكن نفس أسلوب التسويق يمكن استخدامه في إقناع الشعوب بأوهام وأكاذيب وتسويق فكرة أن القتلة هم أبطال علينا تقديرهم وطاعتهم والانبهار بهم وبوطنيتهم!
فالتسويق - في النهاية - ما هو إلا نوع من "البروباجاندا" والخداع النفسي للجماهير.. ولعلك تعرف أن أول كتاب في فن التسويق الإعلاني و(العلاقات العامة PR) كان عنوانه هو (بروباجاندا Propaganda)، ومؤلفه  يهودي يدعى إدوارد بيرنايز، وهو بالمناسبة ابن أخت سيجموند شلومو فرويد!
-----

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق